القاضي عبد الجبار الهمذاني
188
المغني في أبواب التوحيد والعدل
كحال الرسول فقد قدحتم في دلالة القرآن على نبوّته ؛ وإن أوجبتم التوقف فكمثل . وذلك لأن الّذي قدّمناه قد أبطل ذلك ؛ لأنا قد بينا أن الّذي سأل عنه ، إن صح بأن لا تكون الدعوة قد ظهرت ، والقرآن قد انتشر ، فإنه تعالى يمنع من ذلك ، لما فيه من المفسدة ، من أحد الوجهين ، اللذين قد بيناهما ؛ لأنه إنما لا يتميز الصادق من الكاذب ، أو يقتضي ظهور المعجز على يد الكذاب ، على وجه يقتضي التفسير ؛ فإذا كان ظهوره على الصالحين لا يجوز ، على ما قدّمناه ، فبأن لا يجوز على هذا الحدّ أولى . . ولهذه الجملة نقول : إن المعجز الّذي يدل على نبوّة نبىّ ، لا يجوز أن يظهر عند كذب أحد ؛ وإن جاز أن يظهر على يد غيره ، من دون أن يكون مدّعيا للنبوّة ؛ وهذا كما ظهرت المعجزات الدالة على نبوّة زكريا ، عند امتحان مريم عليها السلام بما امتحنت به لأنها لما « 1 » لم تدّع النبوّة ، لم يؤدّ ظهوره متعلقا بها إلى فساد ؛ لأن الناظر يعلم أنه إنما ظهر على زكريا ، من حيث كان هو المدّعى للنبوّة ؛ وكذلك القول في إظلال الغمامة على رسولنا ، صلى اللّه عليه وسلم ، لأن ذلك ، وإن تعلق به فهو معجز لغيره ، ممن وقعت منه الدعوى ؛ ولذلك قلنا : إن حدوث المعجز حالا بعد حال ، لا يجوز ، لأن فيه ضربا من الفساد ، وإن كان الدعوة في النبوّة لا تقارنه . وقلنا : إن الباقي يخالف الحادث في هذا الباب ؛ لأن الباقي إذا كان حاله ، وهو باق ، في باب الدلالة ، كحاله وهو حادث ، فيجب أن يرتب على ما ذكرناه ؛ فإن كان يتمكن بعضهم من أن يدّعى به النبوّة ، وكان مدّعى النبوّة كاذبا ، على وجه يلتبس ، وقع المنع منه ، من الحكيم ، وإن لم يكن الأمر كذلك
--> ( 1 ) ساقطة من « ص » .